البخاري
تصدير 46
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
ومعنى هذا أنّه مشدود القلب دائما إلى الحديث ، فنهاره دائب في مدارسته مع شيوخه وتلاميذه ، وليله ساهر في استذكاره والتعليق عليه ، وقد كان اشتغال باله بالحديث على هذا النحو أمرا واضحا لمخالطيه ، حتى قال الحسين بن حريث : « لا أعلم أنى رأيت مثل محمّد بن إسماعيل ، كأنّه لم يخلق إلّا للحديث » ( هدى الساري 2 - 198 ) . وهذا الاستعداد النفسي الكامل يصادف عند البخاري استعدادا عقليا أكمل ، ويتراءى لمعاصريه في أتم معانيه ، فيروعهم بثقوب ذهنه ، وسرعة حفظه ، وقوة حافظته ، وقدرتها النادرة على الوعي والتسجيل ، واتساعها العجيب لكل ما يقرأ أو يسمع ، وهذا أبو بكر الكلواذانى يقول : « ما رأيت مثل محمّد بن إسماعيل ، كان يأخذ الكتاب من العلم ، فيطلع عليه اطلاعة ، فيحفظ أطراف الحديث من مرة واحدة » ( هدى الساري 2 - 200 ) . ويقول حاشد بن إسماعيل : « كان البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام ، فلا يكتب ، حتى أتى على ذلك أيام ، فلمناه بعد ستة عشر يوما ، فقال : قد أكثرتم عليّ ، فاعرضوا على ما كتبتم ، فأخرجناه ، فزاد على خمسة عشر ألف حديث ، فقرأها كلّها عن ظهر قلب ، حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه » ( هدى الساري 2 - 194 ) .